سكينة مارس :
قبل سرد قصتي في هذه المنطقة، قمت بشرح الوقائع التاريخية التي لها دور مهم في فهم الوضع الحقيقي، واستكشاف الظروف التي جعلت الوضع يصبح على ما هو عليه اليوم، بعيدا عن البروباغندا الإعلامية، خصوصا الفيديوهات المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي والعديد من الصور التي يتم نسبها إلى ضحايا من الروهينجيا. فحاليا التكنولوجيا متطورة ويمكن تتبع كل مادة في الإنترنت لمعرفة مصدرها، ناشرها والأحداث المرافقة لها. فمثلا انتشر فيديو لبعض رجال الدين البوذيين يقومون بحرق جثث تعد بالعشرات، زعم الكثيرين أنهم روهينجيا تم قتلهم من طرف البوذيين، لكن الحقيقة أن الفيديو صور في الصين بعد زلزال عرفته منطقة جييكو سنة 2010، ووفقا للعادات البوذية قاموا بالرحلة.
ذهبت إلى ميانمار سنة 2016؛ عبرت الحدود الأرضية من شيانغ ماي، بالضبط من مدخل "ماي صوت". وكنت قد حصلت على تأشيرة دخول إلكترونية لمدة 28 يوما. بعد اجتيازي الحاجز الأمني الأول، استوقفوني نظرا لمكوثي مدة طويلة في تايلاند، وكذا لسؤالي عن سبب زيارتي وحيدة دون مرافقة..أخبروني بأنني يجب أن أكون حذرة وأشياء أخرى.
شخصيا لم أعتبر هذا الأمر غريبا، فمثل هذه المواقف تحدث في جميع النقاط الحدودية في أنحاء العالم. أجبت بكل صدق بأنني آتية بهدف الاستكشاف وزيارة بعض الأماكن التي كنت أحلم بها على الدوام. استمررت في رحلتي، وبعد ساعة في الحافلة استوقفني ضابط قائلا: "لا تضعي نفسك في المتاعب". هنا أحسست بنوع من الغرابة، لكنها كانت نصيحة جيدة على أي حال.
بقيت 3 أيام في ماوادي المجاورة للحدود، منطقة في طور التقدم، آسيوية بامتياز؛ فيها العديد من المعابد البوذية وأناسها يشبهون التايلانديين كثيرا بحكم القرب الجغرافي.
يانغون
بعدها توجهت في حافلة إلى يانغون، أكبر مدينة في ميانمار، لمدة عشرة ساعات.. كان كل شيء هادئا، وليست هناك أي بوادر توتر أو صراع، كأي مدينة عادية.. زرت معبد شويداكون، وكالايوا، ومعبدا صينيا اسمه كينغ هوك.
ما أثار انتباهي أول الأمر هو حجم التنوع الثقافي، فبعد مدة طويلة في آسيا أصبحت أفرق بين ما هو تايلاندي بتنوعه، وصيني باختلافاته...الخ. كما أن السكان بأنفسهم ينحدرون من أقليات مختلفة، حسب ما يقولونه وحسب زيهم،. لكن نعرف جيدا أن الفحوص الجينية هي الوحيدة التي تثبت الأصول الإثنية؛ فمثلا هناك من يظن أنه من عرق فرنسي نقي، وبعد الفحص يتبين أنه خليط إسباني وألماني وفرنسي. هذه الانتماءات يفضل أن تكون بدون تشدد وتأخذ كهوية ثقافية ليست أفضل أو أقل من غيرها.
في اليوم الرابع في يانغون، زرت بحيرة تسمى كانداواكي، وهي مكان ساحر، خصوصا مع انعكاسات هيكل متعدد الأدوار فوق مياهها الهادئة.
في الصباح قمت باستكشاف أنحاء البحيرة، وكان هناك العديد من السكان المحليين.. رأيت امرأة مسلمة تقوم بتنقية السمك المجفف، ترتدي الحجاب، وحولها أطفال في الجانب الآخر يلعبون، سألتني إن كنت أريد أن أشتري بانجليزية متكسرة؛ أخبرتها بنعم، فتلك الأسماك لذيذة جدا وسبق لي تجربتها، فسألتها: هل أنت من الروهينجيا؟
نظرت إلي قائلة، لا أنا ميارمانية لكن زوجي روهنجي، ونعيش هنا منذ سنوات كثيرة، بعدها اجتمع الأطفال حولي كما يفعل أطفال القرى حين يرون غرباء، والتقطت الصورة معهم.
بدأت المرأة في الابتسام قائلة: "peace,peace" وتعني سلام سلام، ما فهمته أنها تقصد أنهم أناس مسالمون، في رد علي إن شعرت بالخوف، أخبرتها بأنني أعرف وعليها ألا تقلق.
أخبرتني ألا فرق بين مواطني ميانمار، وأن الكثير منهم متعايشون، تربطهم علاقات قرابة، وأشارت إلى أن الأشرار هم من يريدون إحداث فوارق بينهم، ثم استرسلت قائلة إنها تتمنى أن يتوقف الصراع.
دخلت في حوار مع الأطفال، سألتهم ماذا يريدون أن يكونوا، أحدهم اختار أن يكون طبيبا والآخر أستاذا، شجعتهم ورحلت.
حوار ولقاء صغيران..لم أعرفهم من قبل ولا يعرفونني، وليست بيننا أي صلة، لكن تحرك داخلي شيء ما، فهؤلاء أطفال صغار لم يختاروا يوما انتماءهم، ربما هم من الروهينجا، من ميانمار أو أراكينيني، لكن هل أكترث؟ هل سيشكل ذلك فرقا في رأيي عنهم؟ هل يجعلني هذا أقتل بعضهم من أجل البعض الآخر؟...
في الفندق سألوني أين كنت فأخبرتهم عما فعلته ذلك الصباح، فقالوا: هل تعلمين أن العديد من الأشخاص الذين يطلبون اللجوء في قوارب الهورينغا هم بنغلاديشيون يرغبون في مستقبل أفضل في دولة مجاورة، نظرا للظروف المزرية في بلدهم.. أخبروني عن شبكات الاتجار بالبشر المستفيدة من هذا الصراع، وكذا تجار المخدرات....الخ.
سألتهم عن الحل فأخبروني أن نتعايش، ليس هناك حل آخر غير أن نتعايش، لأن لكل طرف الحق في التمسك بموروثه وهويته، ولا يجب لأي أحد أن يحاول أن يقضي على الآخر ليعيش هو، لأن لا أحد سيستسلم.
في اليوم التالي استيقظت فجرا للمغادرة، في الاستقبال وجدت أسترالية تبكي قائلة إنها وصديقها قضيا ليلة كاملة في الأدغال بعد أن حاول أشخاص إطلاق النار عليهما.. كانت خائفة جدا.
صاحب الفندق نصحهما بالمغادرة، وأنا أيضا أخبرته بأنني راحلة. استقللت الحافلة العائدة إلى الحدود مع تايلاند، وفي الطريق طلبت مني الشرطة النزول. هنا بدأت سلسلة أسئلة حول ما حدث في الفندق وعن علاقتي بـالأستراليين.
حكيت ما وقع، وقاموا بإعادة الأسئلة مرات أخرى، وسألوني ماذا كنت أفعل في تلك القرية في اليوم الماضي، أجبتهم، ثم قاموا بفحص الكاميرا خاصتي.
حوالي 4 ساعات من الأسئلة، بعد ذلك استقللت حافلة أخرى إلى الحدود، حينما وصلت حدث الشيء نفسه، وأخبروني بأنه لا يمكنني المغادرة إلا في اليوم التالي لأن الحدود مغلقة في المساء، لم أجادلهم، وفي اليوم الموالي أخبروني بالأمر نفسه، وبأنه لمصلحتي يجب أن أنتظر الأستراليين وتقارير أخرى.
أخبرتهم بأنهم يبالغون في ردة فعلهم، وبأنني في اليوم الموالي سأغادر ولن أكترث بمطالبهم.. في اليوم الموالي كنت أنتظر ردة فعل منهم، لكن غادرت بكل سلاسة، لم أسأل مرة أخرى، كأن لا شيء حدث.. كانت أسوأ 3 أيام في ميانمار.
الصراع في ميانمار صراع عرقي أكثر منا هو ديني؛ ويجب على من يفتعلون هذه الصراعات باسم الدين أن يتوقفوا.. كم يجب أن يموت من الناس حتى يفهموا الدرس؟ درسُ أن العنف لا يولد إلا العنف، أن الإقصاء يولد الحقد، أن الإرهاب يولد ردود فعل.
حاليا الوضع كارثي، وشيوخ الروهينجيا المتشددون لا يكفون عن تهييج الأشخاص، وفي المقابل رجال الدين البوذيين المتشددين يردون بالمثل.
والميانماريون سواء كانوا أركانيين أو بورميين أو غير ذلك متمسكون بديانتهم وموروثهم وسيظلون كذلك، والروهينجيا كذلك، ولهم كامل الحق في ذلك، والحل هو أن يتعايشوا.
في تايلاند التقيت بعض اللاجئين من الروهينجيا، ورغم معاناتهم من الإقصاء فهم يحلمون بدولة إسلامية تمحو أثر البوذيين، ويؤمنون إيمانا لا شك فيه بأن أراضي أركان هي أراض إسلامية، فسألت أحدهم: ماذا عن الأعراق الأخرى المتواجدة هناك؟
أخبرني بأنه يجب عليهم أن يرحلوا!
سألته، إذن أنت كلاجئ تعاني منذ سنوات من الضياع، لا تمانع أن يعيش إنسان مثلك ما تعيشه الآن؟
أخبرني بأن شيوخهم يعرفون أكثر منه ومني.
انتهى الحوار دون الوصول إلى فكرة مسالمة..للأسف!
في الجهة الأخرى، رأيت تسجيلا لرجل دين بوذي ينصح نساءه بالزواج من كلب بدل الزواج من رجل مسلم!
البوذية ديانة مسالمة..أنا عشت وسطهم كثيرا.. أناس طيبون. لكن هذا درس أن كل فكر، ديانة أو مجرد رأي، يمكن أن يتطرف إن لم نكن حذرين.. التطرف يبدأ حين تمس حرية الآخر.
أتمنى من خالص قلبي أن يتوقف الصراع، أن يصبح ذلك الطفل طبيبا، وتلك الفتاة أستاذة، لأن لا شيء في الحياة يستحق قتل شخص بسبب عرق لم يختره أو من أجل أجندات أشخاص معينين.
أتمنى السلام لميانمار.




إرسال تعليق