جواد مبروكي :
ألاحظ عند الأزواج في مجتمعنا أن النزاع قائم يوميا، وأصبح ضرورياً لتغذية العلاقة الزوجية، كأن الأزواج غير قادرين على العيش بدونه. ويكون في بداية السيناريو على أتفه الحاجات، وهو الفصل الأول من المسرحية يتلوه الدخول في الفصل الثاني؛ حيث يدخل الطرفان في النزاعات ذات الوزن الثقيل التي تتعلق بتصفية الحسابات القديمة التي ظهرت منذ أول يوم من زواجهما، وتستمر المسرحية الدرامية بفصلها الثالث؛ حيث يسود الهدوء والصمت والغضب وانزواء كل طرف.
وفي الفصل الرابع، يعود الحوار السطحي بين الممثلين في انتظار الفصل الخامس الذي يمر في الظلام الحالك، ويقوم الطرفان في عجالة بعلاقة حميمية للتعبير عن تراضيهما وليستريحا قليلا (من ساعات إلى أيام معدودة) لإعادة المسرحية بفصولها الخمسة. هذا هو نموذج الزواج المغربي، ويقوم بأدوار الأزواج ممثلان ماهران في الدراما.
فما هي أسباب هذه النزاعات؟
1- عدم الاحترام بين الأزواج: مفهوم الاحترام مفقود تماماً في ثقافتنا المغربية، فمثلا إذا أبلغت الزوجة زوجها بأنها ستذهب لزيارة والديها ترى الزوج يرد عليها "وْعْلاشْ عادْ كْنْتِ عْنْدْهُمْ"، أو إذا تأخر الزوج في المقهى أو ذهب إلى المطعم مع أصدقائه دون إعلام زوجته أو إخبارها، فإنه لما يدخل إلى البيت متأخراً وتطلب منه الزوجة استفساراً فيكون الرد: "وْمالْكْ كَتْسْوْلِني بْحالْ الكومِسَرِيَّة"
2- "أُمّْكْ مَعْمْرّْها وْلَبْغَتْنِي وْكَتْكْرْهْني": هذا من العوامل الأكثر انتشاراً في النزاعات الزوجية ولا أظن أن هناك زوجة لم تتعرض لتحرش "لْعْكوزَة" بشكل أو آخر، وحتى هذه الحَماة بنفسها تعرضت لهذا النوع من التحرش وعانت منه وتراها تمارسه بدورها على عروسة ابنها (إعادة المسرحية). والأخطر من هذا أن الأم في معظم الأحيان هي التي اختارت العروسة لابنها ورغم ذلك يقع النزاع بينهما وكأنها سُنَّة لابد منها.
3- "مَعْنْدِيشْ رَنِي مْزَيّْرْ": المال يلعب دوراً في نوعين من النزاعات الزوجية. النوع الأول راجع إلى اعتبار الزوج بأن راتبه الشهري لا حق فيه لزوجته، ولهذا يبخل عليها اعتباراً أن الزوجة مُبذرة، وبالتالي يحرمها من حقها في حاجياتها. وبهذه الطريقة يمارس عليها العنف الاقتصادي ليستمر في السيطرة عليها. أما النوع الثاني فهو تصفية حسابات مع زوجته لأسباب عدة (عدم الاهتمام به حسب نظره أو لأسباب جنسية أو رفضها الذهاب عند "العْكوزَة"...). وبهذا الشكل يصبح الزواج داخل حلقة مغلقة من النزاعات؛ بحيث كل نزاع يخلق بدوره نزاعاً آخر.
4- غياب الحنان والكلام الحلو والمداعبة: كلما ألاحظ الكلام الجاف بين الأزواج يستحيل علي أن أتصور كيف تمكنا من الإنجاب وبأي شكل مر الفصل الخامس من المسرحية؟ الحنان والمداعبة يحفز الدماغ على إفراز الاُوكْسيتوسينْ هرمون الحب، وغياب الكلام اللين والنظرات العاطفية والمداعبة يزيد في مسافة الابتعاد الحبي بين الزوجين، وبالتالي يعزز الخلاف والنزاع والجفاف العاطفي.
5- عدم المساواة بين الزوج والزوجة من زاوية الحقوق: الزوج يحلل لنفسه ما شاء ويحرم على زوجته كل ما يزعج تعصبه الجنسي وسعيه إلى امتلاك السلطوية، معتبراً أن الزوجة أقل منه مرتبة وناقصة عقلاً وأقل ذكاء منه، ويتعامل معها حسب المعادلة "راشد- طفل".
6- "دِري لِكَنْقوليكْ وْمَتْصْدْعِنيشْ": غياب المشاورة بين الزوجين في كل المواضيع حسب المعادلة "راشد- راشد"؛ بحيث الزوج هو الذي يُسير ميزانية البيت وهو صاحب القرار، يقرر ما طاب له بدون استشارة مع زوجته؛ لأن رأيها لا قيمة له بالنسبة له.
7- "مَتِّقْشْ فْلْعْيَلاتْ" و"الرجال مَفِهُمْ تِقَة": بهذه التوصيات والقناعات يدخل الزوج والزوجة معاً في مسرحية الحياة الزوجية وكل من الطرفين يراقب الآخر، فنرى الزوج يخشى "التّْوْكالْ وْالسّْحورْ" والزوجة تخشى من زوجها "طّْيْرُ شِوْحْدَة"، وبالتالي يستحيل أن تسود الثقة بينهما وتكثر التأويلات والاتهامات ويدخلان في الفصل الأول من مسرحية الزواج.
8- "عْلاشْ كَتْعْطِي القيمَة هِلْعَئِلْتْكْ": غالباً ما نرى النزاعات الزوجية قائمة بسبب الاعتناء أو الاحتقار لعائلة الزوج أو الزوجة، وتسمع دائما هذه العبارات "مْلِّي كَتْجِي عائلتك كَتْكونْ(ي) فْرْحان(نَ) وْ تْكْبّْرْ(رِ) بِهُمْ وْمْلّي كَتْجي عائلتي كاعْ مَتْدِّها فيهُم وْكَتْمْشِي تْنْعْسْ بْكْري".
9- "بْزَّافْ عْلِيكْ وَلِدِيَّ": للأسف في كثير من الأحيان يحدث السَّب في حق الوالدين من كلا الطرفين، مع العلم أن الزوج هو الذي يكثر في هذا الخطاب، وتقوم عليه نزاعات حادة وتكون لهذا السَّب آلام عميقة؛ لأن كل واحد من الطرفين يعتبر والديه منزهين عن الخطأ وأفضل من والدي الطرف الآخر.
10- "عدم الرضاء الجنسي": ليس بإمكاني أن أشرح هذا العامل وكل أنواعه في هذا المقال، ولكن هناك شيئا لا ريب فيه هو غياب السعادة الجنسية عند المغاربة، ويبقى هذا الموضوع من المسكوت عنه ويشكل سببا مهما في النزاعات الزوجية.
أتوقف عند هذه الأسباب؛ لأن اللائحة ما زالت طويلة. كل هذه النزاعات التي يعيشها الأزواج في مجتمعنا تبرهن على جهل بمؤسسة الزواج وقدسيتها وشروطها، ويكتفي الأزواج من جهة بإعادة إنتاج نموذج آبائهم بدون أي تساؤل أو نقد وبحث عن حقيقة وأهداف هذه المؤسسة، ومن جهة أخرى بالتمثيل في مسرحية الزواج.



إرسال تعليق