![]() |
| الصورة من الأرشيف انتفاظة سيدي افني |
بحلول شهر يونيو 2016 تكون قد مرت 35 سنة على انتفاضة 20 يونيو 1981 المجيدة، التي فجرها عمال وفقراء مدينة الدار البيضاء والنواحي ضد سياسة التجويع والفقر. فصباح يوم 28 ماي 1981، أعلنت وكالة المغرب العربي للأنباء اعتزام الحكومة المغربية فرض زيادات صاروخية في كل المواد الأساسية: الدقيق 40%، السكر 50%، الزيت 28%، الحليب 14%، الزبدة 76%، وذلك مباشرة بعد زيادات أخرى كانت سنتا 1979 و1980 قد شهدتها.
وقد برر المسئولون آنذاك هذه الزيادات بالحجة المعهودة دائما: الظرفية العالمية وحالة موازنة الدولة وأن هذه الزيادة ضرورية وحتمية اقتصادية، الخ.
كانت الأزمة تلك، دليلا على أزمة النظام الرأسمالي التبعي القائم بالمغرب، الذي لم يحقق للبلاد، بعد عدة عقود من "الاستقلال"، سوى المزيد من التخلف والبطالة والفقر. وحجة أخرى على طفيلية الطبقة السائدة التي تعرض ثروات البلاد لنهب مكثف، وإلى النفقات الهائلة للحرب في الصحراء، التي قدرت آنذاك بمليوني دولار يوميا!
جاءت تلك الإجراءات التقشفية الإجرامية نتيجة لرغبة الطبقة السائدة في تحميل الفقراء والمضطهدين، أي أكثر الفئات هشاشة وانسحاقا، ثقل الأزمة، إذ أن الكادحين هم بطبيعة الحال من عليهم دائما أن يتحملوا تبعات أزمة نظام أعدائهم الطبقيين، في سبيل "المصلحة العامة" و"مصلحة الوطن"، الخ وهي نفس الترهات التي تتردد الآن على مسامعنا والاقتصاد يغرق في مستنقع أزمة عميق، فما أشبه اليوم بالبارحة!
على خلفية هذا الوضع قررت نقابة الاتحاد المغربي للشغل خوض إضراب عام يوم 18 يونيو 1981، ساندته الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، حيث أصدر مكتبها التنفيذي يوم 17 يونيو 1981 بلاغا يدعو فيه الجماهير العمالية إلى المشاركة في إضراب 18 يونيو. لكن حكومة الحسن الثاني تعاملت معه بالتعنت والإصرار على مواصلة حربها الطبقية، مما دفع بالكنفدرالية الديمقراطية للشغل إلى الدعوة إلى إضراب عام وطني يوم 20 يونيو 1981. وقد كان المطلب الجوهري لهذا الإضراب هو: الإلغاء الفوري الكلي والضروري لكل الزيادات التي عرفتها المواد الاستهلاكية الأساسية في 28 ماي 1981.
كان الإضراب ناجحا، فالحركة الاقتصادية في الدار البيضاء شلت بأكملها، حيث توقفت وسائل النقل عن الحركة وتوقفت الآلات في المعامل عن الدوران. طبعا، فالعمال هم من يحركون بسواعدهم كل القطاعات في المجتمع، وبدون قوة عملهم لا يمكن لأي قيمة أن تضاف أو عجلة أن تدور أو آلة أن تتحرك! وقد انخرطت في الإضراب وشاركت فيه النقابات الوطنية للتجار الصغار والمتوسطين والنقابة الوطنية للتعليم العالي والاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
وكان النجاح الباهر الذي حققه صفعة مدوية في وجه الطبقة السائدة وكل شعارات "السلم الاجتماعي"، فقرر النظام التدخل ليفرض على العمال وأصحاب الدكاكين العودة إلى العمل. فشرعت السلطات في إكراه أصحاب الدكاكين على فتح محلاتهم، وإكراه عمال الحافلات على استئناف عملهم، كما بدأت قوات البوليس في تشتيت الشباب والعمال المجتمعين في الأحياء والمقاهي. لكنها فشلت فانضمت إليها قوات الجيش والدرك الملكي والقوات المساعدة على متن الشاحنات العسكرية والمروحيات.
تدخلت قوات الأمن العمومي بقوة في حق أبناء الشعب الأعزل، مما دفع بالجماهير إلى تحويل الإضراب إلى تظاهرات شعبية عارمة ضد هذه الاستفزازات وللتعبير عن سخطهم على الأوضاع وضد التجويع والاستبداد. آنذاك صارت شوارع البيضاء في يد الجماهير، التي اجترحت بطولات عظيمة وعبرت عن شجاعة كبيرة في تحدي القمع.
لقد كانت انتفاضة 20 يونيو 1981، من القوة والحدة بحيث جعلت العديد من رجال الأعمال ومختلف الفئات البورجوازية وكذا مسئولين سامين في الدولة يتملكهم الفزع والرعب، ومنهم من كان يستعد للهرب "بأمواله" إلى الخارج.
طوقت قوات الجيش كل الأحياء بمدينة الدار البيضاء بالدبابات والسيارات العسكرية، وكانت أول ضحية سقطت بفعل إطلاق الرصاص طفلة بدرب غلف عمرها 12 سنة، ليبدأ حمام الدم في جل أزقة وشوارع الدار البيضاء. وقد بينت التحريات فيما بعد أن الرصاص كان يستهدف الرأس والصدر والقلب. وقد رمي هؤلاء الشهداء في حفر بشكل جماعي، في مقابر جماعية سرية من بينها ثكنة عسكرية تابعة لرجال المطافئ بالقرب من الحي المحمدي، وتقول بعض التقارير إن بعضهم دفنوا وهم كانوا ما يزالون يئنون من جراحهم.
كانت المجزرة رهيبة وكان عدد الشهداء كبيرا، وقد قدرت الجمعيات الحقوقية عدد القتلى بأزيد من 1000 قتيل، كل مطالبهم ما يكفي من الخبز والحليب لأبنائهم.
هذا إضافة إلى مئات الاختطافات والاعتقالات، حتى وصل عدد المعتقلين إلى حوالي 26 ألف معتقل! اعتقلوا بدون محاكمة وفي شروط لا إنسانية مما أدى إلى موت العديد منهم (قتل العديد من المعتقلين في المقاطعة 46، التي أصبحت فيما بعد مقرا لعمالة سيدي البرنوصي زناتة من جراء الاكتظاظ والتعذيب). ووزعت محاكم النظام قرونا من السجن على الأبرياء، حيث أن غرفة جنائية واحدة وزعت ما مجموعه 1400 سنة سجنا!!
صوريف : هيئة التحرير
صوريف : هيئة التحرير



إرسال تعليق