عندما نقوم بوضع ايداعات من الحب الغير المشروط وعندما نعيش قوانين الحب الأساسية نشجع الآخرين على معايشة قوانين الحياة الأساسية. وبعبارة أخرى _ عندما نحب الآخرين حباً صادقاً دون شروط أو قيود، فإننا نساعدهم على الشعور بالأمن والأمان ومعرفة حقيقة قيمتهم وهويتهم وتكاملهم والثقة بها، كذلك نشجع عملية نموهم الطبيعية.كما نساعدهم على معايشة قوانين الحياة _ التعاون والإسهام والانضباط والأمانة _ واكتشاف أفضل ما بداخلهم. ونحن نمنحهم حرية التصرف وفقا لاحتياجاتهم الداخلية الملحة بدلاً من الاكتفاء برد الفعل وفقا لظروفنا ولقيودنا. وهذا لا يعنى أن نتحول إلى أشخاص متساهلين أو ليني العريكة، فهذا في حد ذاته انسحاب فوضوي. لذا علينا أن نقدم المشورة ونقدم مبررات ونضع حدوداً وعواقب ولكن في إطار حب غير مشروط.
وعندما ننتهك القوانين الأساسية للحب _ وعندما نقيد هذه الهبة بالحدود والظروف _ نشجع الآخرين على انتهاك قوانين الحياة الأساسية : ونضعهم في موقف الاكتفاء برد الفعل والشخص المدافع حيث يشعرون أن عليهم إثبات هذا الأمر " أنا مهم لأنني شخصا مستقلاً عنك".
وهم في الواقع ليسوا مستقلين بل يتبعون أسلوب الاعتماد المضاد، وهو شكل آخر من أشكال الاعتماد ويأتي في ذيل سلسلة تدرج النضج. ويتحولون إلى أشخاص انفعاليين وغالباً ما يتمحورون حول مبدأ العدو، ويكون شغلهم الشاغل هو الدفاع عن حقوقهم، وإبراز أدلة على فرديتهم بدلاً من الاستماع المبادر إلى أهدافهم الداخلية وتكريمها.
والتمرد هو مشكلة في القلب لا العقل. والحل هو الإيداع _ الإيداع المستمر في رصيد الحب غير المشروط.
يقول أحد علماء النفس : كان لي صديق يعمل عميداً لكلية راقية للغاية، وقد خطط لسنوات وجمع المال من أجل إتاحة الفرصة لابنه للالتحاق بهذه المؤسسة، ولكن عندما حان الوقت رفض الابن الذهاب. وهذا الأمر أحزن الوالد كثيراً فقد كان يرى أن تخرج ابنه من هذه الكلية سيمثل دعماً كبيراً له إلى جانب أن هذا من تقاليد العائلة على مر ثلاثة أجيال سابقة لابنه. وتوسل الأب لابنه وجادله كثيراً وحاول أيضاً الاستماع إلى الابن ليفهمه، فعل هذا كله على أمل أن يغير ابنه رأيه.
وكانت الرسالة الضمنية التي أحدثت المشكلة هي الحب غير المشروط. فقد شعر الابن أن رغبة والده في إلحاقه بهذه المدرسة تفوق قيمته هو كشخص وابن، الأمر الذي كان مصدراً للتهديد. ونتيجة لذلك حارب من أجل هويته وصدقه وحارب بهما. وزاد من جهوده لإضفاء المنطق على قراره بعدم الالتحاق بالكلية.
وبعد عدة محاولات قرر الأب أن يضحى _ ليفوز الحب غير المشروط. فقد عرف أن ابنه قد يختار أشياء مختلفة عن رغباته، ومع ذلك فقد قرر هو وزوجته أن يكون حبهما لابنهما غير مشروط بغض النظر عن اختياره. وكم كان هذا الأمر صعبا للغاية ؛ لأن أمر تعليمه كان محببًا لقلبيهما ؛ ولأنه شيء خططا له وعملا على تحقيقه منذ ولادة ابنهما.
وقد خاض الأب والأم تجربة مريرة لإعادة كتابة النص، وكافحا من أجل فهم طبيعة الحب غير المشروط. وحاولا الإفصاح للابن ماذا كانا يفعلان ولماذا، وأخبراه بأنهما وصلا إلى النقطة التي يمكن عندها القول بأن أي قرار سيتخذه لن يؤثر أبدا على حبهما غير المشروط له. ولم تكن هذه محاولة للتلاعب به أو محاولة " لإعادة تشكيله " بل كانت هذه المحاولة امتداداً منطقياً لنموهما وشخصيتهما.
ولم يتلقيا من الولد أي استجابة في حينها، ولكن بسبب التصور الذهني المتكون لدى الوالدين وهو الحب غير المشروط، فلم تؤد سلبيته تلك إلى إحداث أي فرق في شعورهما تجاهه. وبعد أسبوع أخبر الولد والديه بأنه قرر عدم الالتحاق بالكلية، ولقد كانا مستعدين تماما لهذا الرد وواصلا التعامل معه من منطلق الحب غير المشروط. واستقرت الأمور وسارت الحياة في مجراها الطبيعي
وبعد وقت قصير حدث أمر مثير. فلم يعد الصبي يشد بأنه في موضع المدافع، فقد بحث في أعماقه، ووجد أنه يود بالفعل خوض هذه التجربة التعليمية. لذا قدم طلب التحاق ثم أخبر والده _ والذي تعامل معه أيضاً من منطلق الحب غير المشروط عندما تقبل قرار ابنه بصدر رحب. وكان صديقي سعيداً ولكن ليس مبالغاً في الشعور بالسعادة لأنه تعلم الحب بدون شروط.
وذات مرة ألقى " داج هامار سكجولد "الأمين العام السابق للأمم المتحدة خطاباً شاملاً ورائعاً قال فيه " من الأفضل أن تكرس نفسك لشخص واحد بدلاً من العمل الشاق من أجل إنقاذ الجماهير".
ولقد استشهدت بهذه الكلمات لأوضح أنه بإمكاني تخصيص ثماني ساعات أو عشر أو اثنتي عشرة ساعة في اليوم لمدة خمسة أو ستة أو سبعة أيام في الأسبوع لخدمة آلاف الناس والعمل على الكثير من المشاريع "هناك"؛ ولكنني لا أحظى بعلاقة عميقة ذات معنى مع زوجتي وابني المراهق ومع زملاء العمل المقربين. وقد يتطلب الأمر المزيد من نبل الشخصية - مزيداً من التواضع والشجاعة والقوة - لإعادة بناء هذه العلاقة الواحدة بدلا من قضاء هذه الساعات من أجل هؤلاء الأشخاص وقضاياهم.
في كتاب "فن الحب" لاريك فروم ,اللذي يأكد فيه أن الحب و الانسان شيئان لا ينفصلان عن بعضها البعض , واذ حدث و انفصلا فان الانسان يعيش في اغتراب عن نفسه و مجتمعه و يفقد انسانيته .


